الملا فتح الله الكاشاني
362
زبدة التفاسير
* ( وَما أَرْسَلْناكَ ) * يا محمّد * ( إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) * لأنّ ما بعثت به سبب لإسعادهم ، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم . فمن تبعك فإنّه فائز سعيد في الدارين ، ومن لم يتّبع فإنّه شقيّ محروم حيث ضيّع نصيبه . ومثاله : أن يفجّر اللَّه عينا غزيرة وسيعة ، فيسقى ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس مفرّطون عن السقي فيضيعوا . فالعين المفجّرة في نفسها نعمة من اللَّه ورحمة للفريقين ، ولكنّ الكسلان أوقع المحنة العظيمة على نفسه ، حيث حرّمها من الرحمة الجليلة . عن ابن عبّاس : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم رحمة للبرّ والفاجر ، والمؤمن والكافر . فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة ، ورحمة للكافر بأن عوفي ممّا أصاب الأمم من الخسف والمسخ . وروي : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال لجبرئيل لمّا نزلت هذه الآية : « هل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ قال : نعم ، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر ، فآمنت بك لمّا أثنى اللَّه عليّ بقوله : * ( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) * « 1 » . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّما أنا رحمة مهداة » . * ( قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ ) * أي : ما يوحى إليّ إلَّا أنّه لا إله لكم إلَّا إله واحد . واعلم أنّ « إنّما » لقصر الحكم على شيء ، أو لقصر الشيء على حكم ، كقولك : إنّما زيد قائم ، أي : لا يفعل سوى القيام ، وإنّما يقوم زيد ، أي : يقوم زيد لا غير . وقد اجتمع المثالان في هذه الآية ، لأنّ « إِنَّما يُوحى إِلَيَّ » مع فاعله بمنزلة : إنّما يقوم زيد ، و « أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ » بمنزلة : إنّما زيد قائم . وفائدة اجتماعهما : الدلالة على أنّ المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد ، وأنّ الوحي إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مقصور على استئثار اللَّه بالوحدانيّة . ويجوز أن يكون المعنى : أن الَّذي يوحى إليّ . فتكون « ما » موصولة . وفي الآية
--> ( 1 ) التكوير : 20 .